شكّل أبو عبيدة أحد أبرز الوجوه العلنية لحركة حماس، إذ شغل منصب المتحدث العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري للحركة الفلسطينية، لما يقرب من عقدين. ويعرض هذا المقال مسيرته ودوره وخطابه وتأثيره في الوعي الفلسطيني والعربي، في ظل استهداف إسرائيلي متكرر لشخصه طوال سنوات.
وذكرت ميدل إيست آي أن الإعلان عن مقتل أبو عبيدة جاء في 29 ديسمبر 2025، حين قالت كتائب القسام إن إسرائيل قتلته في أغسطس خلال حربها على غزة، كاشفة للمرة الأولى أن اسمه الحقيقي حذيفة سمير الكحلوت، بعد أن ظلّت هويته طي الكتمان طوال سنوات ظهوره الإعلامي.
برز أبو عبيدة بقوة منذ الهجوم المفاجئ الذي قادته حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023، ثم خلال الحرب الإسرائيلية اللاحقة على قطاع غزة. وعُرف بخطاباته المتلفزة التي قدّم فيها تحديثات ميدانية، واستعرض إنجازات القسام العسكرية، ووجّه رسائل تحدٍّ وسخرية لإسرائيل، التي ردّت بمحاولات اغتيال متكررة. لهذا السبب أخفت الحركة هويته الحقيقية، إلى أن أعلنت وفاته رسمياً في ديسمبر.
نال أبو عبيدة مكانة رمزية واسعة في العالم العربي، إذ هتف المتظاهرون باسمه في مسيرات داعمة لفلسطين، وترددت أغانٍ تمجّده. كما وضعته الولايات المتحدة ودول غربية أخرى على قوائم العقوبات بسبب موقعه القيادي في حركة تصنّفها تلك الدول «منظمة إرهابية».
من هو أبو عبيدة وأين وُلد؟
تظل تفاصيل نشأة أبو عبيدة محدودة. وفي مقابلة عام 2005، قال إن عائلته تعرّضت لتهجير قسري على يد ميليشيات صهيونية عام 1948، واستقرت في قرية داخل قطاع غزة لم يسمّها. وأشار خلال المقابلة نفسها إلى أنه كان في أوائل العشرينات من عمره، ما يرجّح ولادته في أوائل أو منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
قالت مصادر داخل حماس عام 2014 إن قلة قليلة فقط عرفت هويته الحقيقية. ويُرجّح أن الاسم الحركي «أبو عبيدة» يحيل إلى الصحابي أبو عبيدة بن الجراح، أحد كبار قادة المسلمين في التاريخ الإسلامي.
وعند إعلان مقتل أبو عبيدة في 29 ديسمبر، وصفه المتحدث الجديد باسم القسام بأنه قائد بارز ترأس المكتب الإعلامي لكتائب القسام. وقال في نعيه: «ننعى اليوم القائد الكبير حذيفة سمير الكحلوت، الذي أمضى عقدين في إرباك العدو».
ما دور أبو عبيدة داخل حماس؟
سجّل أبو عبيدة أول ظهور معروف له عام 2004، حين عقد مؤتمراً صحافياً في أكتوبر لتقديم تحديثات ميدانية خلال توغل إسرائيلي بري في شمال قطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، واصل أداء دور المتحدث العسكري، عبر مقابلات إعلامية وخطابات مسجلة نشرتها منصات حماس الرسمية.
تفرّد أبو عبيدة بهذا الدور، إذ أصبح الشخصية الوحيدة داخل حماس التي تتولى مهمة المتحدث العسكري، ضمن المكتب الإعلامي الذي تأسس رسمياً عام 2004. وارتبطت معظم إطلالاته الإعلامية بجولات التصعيد العسكري مع إسرائيل.
ماذا قال أبو عبيدة؟
أعلن أبو عبيدة في خطاباته ما اعتبرته حماس إنجازات عسكرية. وظهر ظهوره الكبير الأول عام 2006، حين أعلن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وفي حرب 2014، أعلن أسر الجندي شاؤول آرون، وكشف رقم هويته في تسجيل مصور، قبل أن تعترف إسرائيل لاحقاً بمقتله واحتجاز جثمانه لدى حماس.
وخلال الحرب نفسها، أعلن أبو عبيدة نجاة محمد الضيف، القائد العام لكتائب القسام، من محاولة اغتيال إسرائيلية، بعد تكهنات إعلامية واسعة حول مصيره. وأدلى أحياناً بتصريحات خارج أوقات الحرب، منها تعهده عام 2022 بالسعي للإفراج عن ستة أسرى فلسطينيين أعادت إسرائيل اعتقالهم بعد فرارهم من سجن إسرائيلي.
ما دور أبو عبيدة في 7 أكتوبر؟
حملت خطابات أبو عبيدة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 أهمية خاصة. وبعد يومين من اندلاع الحرب، حذّر في خطاب من أن القسام قد ينفّذ إعدامات بحق أسرى إسرائيليين رداً على قصف منازل مدنية، غير أن هذا التهديد لم يُنفّذ.
وقال لاحقاً إن التخطيط للهجوم بدأ عام 2021، بعد حرب مايو التي استمرت 11 يوماً. وذكر أن نحو 4,500 عنصر شاركوا في تنفيذ العملية، بينهم 3,000 على الأرض. وحدد أهداف العملية، التي أطلقت عليها حماس اسم «طوفان الأقصى»، وفي مقدمتها تدمير «فرقة غزة» في الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى مواقع عسكرية ومستعمرات محيطة بالقطاع.
وفي خطاب شهير بتاريخ 28 أكتوبر، انتقد أبو عبيدة القادة العرب لعجزهم عن إدخال مساعدات إنسانية إلى غزة، وقال عبارته التي تحولت لاحقاً إلى شعار واسع الانتشار: «حاشا لله» أن يطلب الفلسطينيون تدخلاً عسكرياً عربياً، لكن عجز تلك الدول حتى عن إدخال الإغاثة صدم الحركة.
لماذا غطّى أبو عبيدة وجهه بالكوفية الحمراء؟
ظهر أبو عبيدة في جميع إطلالاته مرتدياً زياً عسكرياً وغطاء وجه، ما أكسبه لقب «المقنّع». واختار دائماً كوفية عربية حمراء، وهي غطاء تقليدي استخدمه قادة بارزون في حماس، بينهم ياسر النمرودي وعماد عقل اللذان قتلا عام 1993.
كما استخدم محمد الضيف الكوفية الحمراء في آخر ظهور إعلامي معروف له عام 2005. وأسهم هذا الغطاء في تعزيز الغموض حول هوية أبو عبيدة، ومنحه بعداً رمزياً إضافياً.
كيف نظر العالم العربي إلى أبو عبيدة؟
نظر كثيرون في العالم العربي إلى أبو عبيدة بوصفه رمزاً للمقاومة الفلسطينية. وأسهمت خطبه الحماسية ونبرته الواثقة وإخفاء هويته في تعزيز شعبيته. وغالباً ما دعمت حماس أقواله بمقاطع مصورة لعمليات عسكرية، ما عزز مصداقيته لدى جمهور واسع.
توقفت حفلات زفاف في بعض البلدان ليستمع الحضور إلى خطاباته، وتابع أطفال وشباب كلماته بشغف. ولفتت إحدى خطاباته انتباه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر السابق، خلال مباراة كرة قدم بين فلسطين وإيران. وانتشرت أغانٍ تمجّده، من بينها عبارات تصف كلماته بـ«الرصاص».
كيف نظرت إسرائيل إلى أبو عبيدة؟
تابع الجمهور الإسرائيلي خطابات أبو عبيدة باهتمام، وتكهن الإعلام بهويته. وخلال حرب 2014، نشر موقع «واينت» الإسرائيلي اسماً وصورة قال إنهما تعودان له، غير أن حماس نفت ذلك آنذاك. وقال الموقع إن الهدف من كشف هويته تمثّل في «نزع الهالة» عنه.
عاد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي لنشر الاسم والصورة نفسيهما في أكتوبر 2023، مرفقاً رسالة تهديد. وذكر تقرير «واينت» أن غارات إسرائيلية قصفت منزله المزعوم في جباليا أعوام 2008 و2012 و2014، كما أشار إلى حصوله على درجة الماجستير في الدراسات الدينية واستعداده لنيل الدكتوراه.
لماذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أبو عبيدة؟
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أبو عبيدة في أبريل 2024، ووصفتْه بأنه «مسؤول حرب المعلومات» في حماس. وقالت وزارة الخزانة الأميركية إنه قاد وحدة التأثير الإلكتروني داخل كتائب القسام، وتعاون مع جهات إيرانية لتأمين خوادم ومواقع إلكترونية للحركة.
لم تعلّق حماس على تلك العقوبات أو الاتهامات. وبرحيل أبو عبيدة، يُغلق فصل طويل من تاريخ الخطاب العسكري لحماس، غير أن الرمزية التي ارتبطت باسمه وصورته تظل حاضرة في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
https://www.middleeasteye.net/who-abu-obeida-hamas-speech-palestine

